مؤسسة آل البيت ( ع )

181

مجلة تراثنا

والتصاريف اللغوية يخفى عليه الفرق بين " التسوية " و " المساواة " . إن الذين يصرفون قوله - عليه السلام - : " ولا تدع قبرا مشرفا إلا سويته " إلى معنى ساويته بالأرض أي " هدمته " أولئك قوم أيفت أفهامهم ، وسخفت أذهانهم ، وضلت ألبابهم ، ولم يكن من العربية لهم ولا قلامة ظفر فكيف بعلمائهم ؟ ! ولا يخفى على عوام العرب أن تسوية الشئ عبارة عن تعديل سطحه أو سطوحه ، وتسطيحه في قبال تقعيره أو تحديبه أو تسنيمه وما أشبه ذلك من المعاني المتقاربة ( 14 ) والألفاظ المترادفة ، فمعنى قوله - صلى الله عليه وآله - : " لا تدع قبرا مشرفا - أي : مسنما - إلا سويته - أي - سطحته وعدلته - " وليس معناه : إلا هدمته وساويته بالأرض كي يعارض ما ورد من الحث على زيارة القبور واستحباب إتيانها ، والترغيب في تشييدها ، والتنويه بها ، وذلك المعنى - أعني أن المراد من تسوية القبر تسطحيه وعدم تسنيمه - كان هو الذي فهمته من الحديث أول ما سمعته بادئ بدء وعند أول وهلة ، ثم راجعت الكتاب - أعني صحيح مسلم - ونظرت الباب فوجدت صاحب الصحيح - مسلم - قد فهم ما فهمناه من الحديث حيث عنون الباب قائلا : ( باب تسوية القبور ) وأورد فيه أولا بسنده إلى تمامه قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله - يأمر بتسويتها ( 15 ) ثم أورد بعده في نفس هذا الباب حديث أبي الهياج المتقدم : " ولا قبرا مشرفا إلا سويته " . وكذلك فهم شارحو صحيح مسلم وإمامهم النووي الشهير ، وها هو بين أيدينا يقول في شرح تلك الجملة النبوية ما نصه : فيه : أن السنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعا كثيرا ولا يسنم ، بل يرفع نحو شبر ، وهذا مذهب الشافعي ومن

--> ( 14 ) معجم مقاييس اللغة 3 / 112 ( سوى ) . ( 15 ) صحيح مسلم 2 / 666 باب 31 / ح 92 .